اسماعيل بن محمد القونوي
86
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
لأنه أمر جلي مع أن تعديته بإلى لا يلائمه ظاهرا إلا بالتضمين كما ذكرناه وأما الحشر أي إحياءهم بعد موتهم فأمر خفي لعدم كونها مكلفة فيحتاج إلى البيان ولا يلزم من كون الإنسان داخلا في دابة حتى يقال إنه يستلزم كون الشيء مشابها لنفسه فالمراد بالأمم المشبهة بالإنسان فقط وأما حشر الإنسان فقد ذكر في النظم الكريم مرة غير مرة فالمراد هنا بيان حشر الحيوان ما سوى الإنسان قوله فينصف أي الرب قوله كما روي أنه يأخذ الضمير المستكن للرب أيضا ويأخذ كالبيان لقوله فينصف الجماء الشاة التي لا قرن لها في رأسها ضد القرناء وهذا إشارة إلى حديث رواه مسلم لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء والكلام عام للشاة وغيرها لأن غير الشاة يعلم حاله بدلالة النص ولذا قال المص يأخذ للجماء من القرناء وأيضا الكلام عام لكل حقوق كما نطق به صدر الحديث نقل عن ابن المنير أنه قال وليس هذا جزاء التكليف ومن ذهب إلى أن البهائم والهوام مكلفة لها رسل من جنسها فهو من الملاحدة الذين لا يعول عليهم كالجاحظ انتهى . ولعل منشأ ذلك قوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] الآية لكنه ضعيف وتعبير الملاحدة ليس في موقعه إن أراد بإلحاده هذا القول نقل عن سراج الملوك أنه قال واعلم أن للعلماء في إعادة الحيوان ومحاسبتها قولين أشار إليهما المص فقيل إنه على ظاهره فيخلق « 1 » فيهم عقولا ويحاسبهم وينصف بعضهم من بعض ثم يعيدهم ترابا وقيل إنه تمثيل لعموم عدله ولا إعادة ولا حساب انتهى والقول الأخير يخالف ما مر من حديث مسلم لتؤدن الحقوق إلى أهلها حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء وحمل الحديث على التمثيل خارج عن الإنصاف ولا ريب في ضعف القول الأخير مع أن الاختلاف فيه غير متعارف وَالَّذِينَ كَذَّبُوا [ الأنعام : 39 ] الآية متعلق بقوله تعالى : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ [ الأنعام : 36 ] الآية يعني أن عدم إجابة هؤلاء الكفرة لكونهم صما وبكما وعميا فهم كالموتى وقيل إنه متعلق بقوله تعالى : ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] وجهه خفي والمراد بالموصول أما المعهودون وهم الكفرة المذكورون في قوله : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ [ الأنعام : 37 ] أو الجنس ويدخل فيه المذكورون دخولا أوليا ( صم ) أي كصم تشبيه بليغ لا استعارة . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 39 ] وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 39 ) قوله : ( لا يسمعون ) بيان وجه صم . قوله : لا يسمعون مثل هذه الآيات سماعا يتأثر به نفوسهم يعني أنهم كالصم في عدم تأثرهم بما يسمعون وكان سماعهم كلا سماع فكانوا كأنهم صم لا يسمعون .
--> ( 1 ) خلق العقول فيهم ليس بمشهور ولا بد من بيانه من الثقات وأيضا فما الحاجة إلى العقل .